الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

377

تفسير روح البيان

مِنْ غَيْرِ سُوءٍ حال من الضمير في بيضاء اى كائنة من غير عيب وقبح كنى به عن البرص كما كنى بالسوءة عن العورة لما ان الطباع تعافه وتنفر عنه - روى - ان موسى عليه السلام كان أسمر اللون فإذا ادخل يده اليمنى تحت إبطه الأيسر وأخرجها كان عليها شعاع كشعاع الشمس يغشى البصر ويسد الأفق ثم إذا ردها إلى جنبه صارت إلى لونها الأول بلا نور ويريق آيَةً أُخْرى اى معجزة أخرى غير العصا وانتصابها على الحالية من الضمير في بيضاء لِنُرِيَكَ اى فعلنا ما فعلنا من قلب العصا حية وجعل اليد بيضاء لنريك بهاتين الآيتين مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى اى بعض آياتنا الكبرى فكل من العصا واليد من الآيات الكبرى وهي تسع كما قال تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ وقد سبق بيانها ونظير الآية قوله تعالى في حق نبينا عليه السلام لَقَدْ رَأى اى محمد ليلة المعراج مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى والفرق بين آيات موسى وآيات نبينا عليهما السلام ان آيات موسى عجائب الأرض فقط وآيات نبينا عجائب السماوات والأرض كما لا يخفى هذا هو اللائح في هذا المقام فاعرفه واعلم أن موسى عليه السلام ادخل يده في جيبه فأخرجها بيضاء من غير سوء وهذا من كرامات اليد بعد التحقق بحقيقة الجود والكرم والسخاء والإيثار فالجود عطاؤك ابتداء قبل السؤال والكرم عطاؤك ما أنت محتاج اليه وبالعطاء صحت الخلة - روى - ان اللّه تعالى أرسل إلى إبراهيم جبريل عليهما السلام على صورة شخص فقال له يا إبراهيم أراك تعطى الأوداء والأعداء فقال تعلمت الكرم من ربى رأيته لا يضيعهم فانا لا أضيعهم فأوحى اللّه اليه ان يا إبراهيم أنت خليلي حقا ومن كرامات اليد ما روى أن نبينا عليه السلام نبع الماء من بين أصابعه في غزوة تبوك حتى شرب منه ورفعه خلق كثير ورمى التراب في وجوه الأعداء فانهزموا وسبح الحصى في يده : قال العطار قدس سره داعى ذرات بود آن پاك ذات * در كفش تسبيح از ان كفتى حصات وقبض من شاء من الأولياء في الهواء فيفتح يده عن فضة أو ذهب إلى أمثال هذا فإذا سمعت هذا عرفت ان كل كمال يظهر في النوع الإنسان فهو اثر عمل من الأعمال أو حال من الأحوال فبين كل شيئين اما مناسبة ظاهرة أو باطنة إذا طلبها الحكيم المراقب وجدها نسأل اللّه تعالى ان يوفقنا لصرف الأعضاء والقوى إلى ما خلقت هي لأجله ويفيض علينا فضله بسجله اذْهَبْ يا موسى بطريق الدعوة والتحذير إِلى فِرْعَوْنَ وملئه بهاتين الآيتين العصا واليد لقوله تعالى في سورة القصص فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ واما قوله تعالى اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي فسيأتي معنى الجمع فيه ان شاء اللّه تعالى إِنَّهُ طَغى اى جاوز حد العبودية بدعوى الربوبية استقلالا لا اشتراكا كما قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وفيه إشارة إلى معيين . أحدهما ان السالك الصادق إذا بلغ مرتبة كماله يقيضه اللّه لدلالة عباده وتربيتهم . والثاني ان كمال البالغين في ان يرجعوا إلى الخلق ومخالطتهم والصبر على اذاهم ليختبروا بذلك حلمهم وعفوهم فان قيل لم أرسله اللّه بالعصا * قلنا لان العصا من آلات الرعاة وموسى عليه السلام كان راعيا فأرسله اللّه مع آلته وابصا كان فرعون بمنزلة